محمد بن عمر التونسي
47
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
ولنمسك عنان القلم عن جريه في هذا الميدان ، إذ لو تتبّعت ما قلته من الأشعار والألغاز ، لطال الحال ، وجلب الملال . ونرجع إلى ما نحن بصدده فنقول : وعند المساء سكن الهوا « 1 » وبطل هبوبه ، وفقد شماله وجنوبه ، وقد جئنا مقابل المنية ، وكان فيها جماعة من الغزّ ، الذين ابتزّ اللّه منهم حلّة العزّ ، فأخذونا بالقوة والقهر ، وأمالوا سفينتنا إلى جانب البرّ ، وكان معسكرهم مخيّما في عرض البلد على النيل . وكانوا مقيمين هناك لنهب السّفّار المارّين . فغرّموا صاحبنا جملة من المال ، وبعد الخلاص أقلعنا عنهم في الحال . وفي اليوم الثالث حللنا منفلوط ، فأخذنا منها ما احتجنا « 2 » ، ثم أقلعنا حتى دخلنا ( 46 ) بنى عدىّ ، فأقمنا فيها ريثما تأهبت القافلة ، وخرزوا أسقيتهم ، وصنعوا زادهم . ثمّ جئ بالمطىّ فحمّلت أحمالها ، وضربنا مهمها « 3 » قفرا ، حتى وصلنا إلى الخارجة في عشية اليوم الخامس ، فوجدناها قد داربها النخيل دورة الخلخال بالساق ، أو التفاف يدي العاشق على معاطف المعشوق للعناق . وفيها من التّمر ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ به الأعين ، مع رخص الأسعار ، وحسن تلك الثمار « 4 » ، فأقمنا بها مدة خمسة أيام . وفي صبيحة اليوم السادس ارتحلنا ، وسرنا نحو يومين ، وفي الثالث حللنا بلدة
--> ( 1 ) في الأصل : الهوى . ( 2 ) في الأصل : ما احتاجنا . ( 3 ) المهمة : المفازة القاحلة البعيدة ( القاموس ) . ( 4 ) في الأصل : التمار .